‏إظهار الرسائل ذات التسميات العبادة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العبادة. إظهار كافة الرسائل

المفهوم الارثوذكسي للصلاة




صلاة دانيال كصلاة ارثوذكسية للتوبة، هذه الصلاة كم هي قوية، فهي صلاة تلمس قلب الله المحب، هي هي صلاة العشار الذي وصفته كلمات الانجيل : وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ (لوقا 18: 13)، هي ايضاً صلاة الروح المنسحق الذي يتكلم عنها المرتل في المزمور الخمسين "حسب الترجمة السبعينة"، وهي الصلاة التي تفتح لنا تعزيات السماوات وتشعل فينا عمل الروح الناري مرة اخري، بعدما تذوب قلوبنا في محبة العالم الفاسد.

ما أعظمها لغة يا أخوتي، فالصلاة مع الصوم هي قوة عظيمة، اذ قال الرب يسوع: فَقَالَ لَهُمْ: «هذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ». (مرقس 9: 29)، ولكن اي صلاة واي صوم يطلبه منا الرب؟!

الا يطلب منا الرب صلاة مثل تلك التي صلاها دانيال لاجل شعبه في توبة وتواضع، وتلك الاخري التي صلاها يونان في بطن الحوت، وغيرها من الصلوات القوية الممتلئة بالتواضع والقلوب المنكسرة؟!

1- كيف نقتني هذه الصلاة:
هذه الصلاة واي فضيلة اخري هي عطية من الرب الروح، ينقلها لنا عن الرب يسوع نفسه، فالصلاة التي صلاها كل هؤلاء العظام، هي في الاساس نابعة عن الرب يسوع نفسه، واي صلاة تخرج عن الرب يسوع "اي لا يكون الرب يسوع مركزها" فهي صلاة ذاتية نفسية ليس لها اي قيمة روحية، ولكن ان كان الرب يسوع هو مركزها، ستجد الصلاة قمة في الاتزان وقمة في التواضع، لا بأرتفاع ولا بدمدمة، بل صلاة لطيفة علي النفس ومعزية للروح، ومقبولة جداً لدي الله الاب!

وقد علمنا الرب يسوع عن هذا اذ قال: قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. (يوحنا 14: 6)، وفي هذا العدد وضع لنا الرب يسوع أساساً لكل صلاة، وكل عبادة حقيقية بالروح والحق.

وكنيستنا العظيمة ايضاً تعلمنا هذا في ليتورجيتها[1]، ففي لتيورجية القداس الكيرلسي نقول لحن "ارحمنا" وهو لحن نسكي من الدرجة الاولي، في هذا اللحن نقول: "..يصرخون اليك وبك معك الي الاب قائلين ارحمنا.."، ما أعمق هذه الكلمة، ولكن ما اكثر الحق الذي تحتويه، فهي تصف لنا بكل هدوء سر العبادة في الليتورجيا الكنيسة، وان هذا السر هو بك ومعك!

نعم يا أخوتي ان الرب يسوع كأخونا البكر[2]، فهو ابن للاب بالجوهر ونحن اولاد لله بالتبني، فهو بكرنا ورأسنا ونحن جسده واخوته، فحينما نصلي يا اخوة لا نصلي من ذواتنا ولكننا نصلي في المسيح يسوع وبالمسيح يسوع كما شاهدنا في الليتورجيا، هذا هو سر الصلاة القوية، هي صلاة تختفي فيها الذات ويظهر فيها الرب يسوع بقوة، لذلك لا يوجد مجال للمشاعر النفسية الشيطانية ولا مجال حتي لتدخل ابليس في صلاواتنا.

ولعل اقوي هذه الصلاوات هي صلاة المزامير التي رتبتها كنيستنا في ليتورجيا بديعة نجدها في كتاب يسمي بالاجبية، ورتبت الكنيسة هذه الصلوات لكي نصلي كل حين في المسيح يسوع وبالمسيح يسوع، لانه ببساطة كان الرب يسوع نفسه يصلي هذه الصلوات بكونه "يهودي"، وهناك بعض المزامير التي لا يمكن ان يصليها الا الرب يسوع المسيح نفسه، ولا تجوز لاي شخص اخر، حتي حين كتبها دواد النبي والمرتل، كتبها وهو مساق بروح النبوة ناظراً الي عهداً جديداً لا بدم تيوس وعجول ولا بيد انسان، ولكن بحمل بلا عيب اذ رأي المسيح نفسه معلقاً علي الخشبة، وراي الدم وهو يطهر خطايا العالم، وراي الرب يسوع وهو في الهاوية ينتصر ويجذب اليه النفوس، ويصير الرب الملك علي خشبة!

ولكن هل يمكن ان اصلي في المسيح يسوع او بالمسيح يسوع وانا لم اقبله اصلاً، واؤمن به أيمان هامشي سطحي فريسي ميت؟

فالحقيقة يا اخوة، لا يمكن ان اصلي في المسيح يسوع او بالمسيح يسوع ما لم اؤمن به أيمان حقيقي عامل بالمحبة، أيمان يري في أعمالي لا في كلماتي فقط، ايمان حي يجذب النفوس الضالة الي الرب يسوع، ويقود حياتي ونفسي بالكمال، أيمان عظيم كأيمان أثناسيوس الرسولي، والشهيد العظيم مار جرجس، فهؤلاء هم سحابة شهودنا، وسوف يشهدوا علينا في الوقت الذي فيه نلتمس عذراً لهروبنا من أعمال البر لسبب ثقلها!

اذا فلا مجال للوصول الي هذه الصلاة ما لم نتقدم بالتوبة القلبية اولاً، ونخلع عنا كل ثقل العالم ومجده الباطل، ليصير ايماننا لا أيماناً بالفم فقط، بل ايمان بالفعل، فتتحول كل كلمات الكتاب المقدس الي كلمات محفورة في قلوبنا، حينا تسهل لنا فرصة الدخول علي الاقداس علي حساب دم الرب يسوع، الذي قدم نفسه فدية لاجلنا، لكي لا نعيش بعد لشهواتنا ولا للعالم ولا للمال، بل نحيا في كل حين لاجل مجد اسمه القدوس، فينقل لنا الروح القدس عطية صلاة التوبة الحقيقة، التي سوف نقدمها يومياً في المسيح يسوع وبالمسيح يسوع، وحينها تنطلق حياتنا نحو محبة الله الاب في المسيح يسوع، وتصير حياتنا نوراً للعالم وملحاً للارض!

2- الايمان الحقيقي كأساس لصلاة التوبة الارثوذكسية في الفكر النسكي لأباء الكنيسة:
هم الذين قلوبهم قاسية، مدمنون علي أفتعال الخطايا فيجلب عليهم الله الرحوم مصاعب وشدائد حتي تتنبه سرائرهم ونياتهم لكثرة ما يأتي عليهم، فيندمون ويرجعون ويستعدون ويدخلون الي هذه الدعوة ويتوبون من كل القلب ويقبلون المواعيد[3]

هذه الكلمات العظيمة التي قالها القديس انبا انطونيوس وهو في قيادة من روح الله، تعلمنا ان الايمان الحقيقي الذي له ثمرة أعمال هو أساس لصلاة التوبة، فقد قدم الندم والرجوع والاستعداد والدخول في الدعوة علي التوبة، لانه ان دخلنا في التوبة قبل في هذه الاشياء جميعاً، فستكون توبتناً توبة هامشية، اي غير حقيقة بالمرة لان اساسها غير ثابت، فكثيراً ما حولنا التوبة بشتي الطرق ولكننا نفشل ونفشل لاننا ببساطة وكتعبير القديس أنبا انطونيوس: "مدمنون علي أفتعال الخطايا".

هذه الخطوة لا يتاخذها الانسان بنفسه، لكنه يفعلها جانباً الي جانب مع الروح القدس، فالروح القدس يبكت علي اثم وعلي خطية، ويجذبنا الي الابن يسوع اذ يشهد عنه، ويجعلنا مستعدين الي دعوتنا، ويدخلنا فيها ايضاً.

فقد فهم أباء الكنيسة عمل الروح القدس مع النفس علي انها علاقة سينيرجيا[4] اي علاقة عمل مشترك بين النفس والروح القدس ولو لم تعمل النفس لن يعمل الروح القدس معها، والعكس صحيح، لذلك يا اخواتي فلابد من أن ننتبه الي أيماننا، هل هو أيمان حقيقي مقدس مبني علي صخرة حقيقية وهي شركة الروح القدس، ام هو أيمان أفتعالي وراثي قد ورثناه علي اجدادنا اذ قد ولدنا مسيحين!!!

ولكن من مراحم الله انه لا يتركنا، بل يرفع يديه قليلاً عنا فتظهر الضيقات والمشاكل وكرب العالم، حتي يجذبنا الي الندم والرجوع، وأستعادة الشركة مع الروح القدس، لكي يعود هذا الروح الناري، فيقدسنا مرة اخري، ويرجعنا الي حضن الاب في الابن يسوع المسيح، ويجعلنا علي الصورة الاولي التي للابن يسوع مرة اخري اي صورة الانسان الجديد.

وهذا ما ظهر في صلاة دانيال وما حدث في السبي لشعب الله، وكذلك الكثير من القصص في الكتاب المقدس التي توضح لنا تعاملات الله مع شعبه بهذه الطريقة، التي تطورت في العهد الجديد بعد الصليب وصارت اكثر رحمة لان الرحمة والحق تلاقيا علي الصليب وقد حمل كل الامنا في جسد بشريته.

3- الرجوع لأسترداد طبيعتنا الاصلية في فكر الاباء المدافعين:
حينما تبدو لك أمور إخلائه صعبة القبول تعجب بالأحري من عظم محبة الابن لنا، لأن ما تعتبره غير لائق به، هذا قد فعله بإرادته من أجلك!!!

فقد بكي بشرياً لكي يمسح دموعك، وأنزعج تدبيرياً تاركاً جسده ينفعل بما يناسبه لكي يملأنا شجاعة، ووصف بالضعف في ناسوته لكي ينهي ضعفك، وقدم بكثرة طلباتٍ وتضرعاتٍ للآب لكي يجعل أذن الآب صاغية لصلواتك[5]

كم تبهرني هذه الكلمات للقديس العظيم البابا كيرلس الكبير، هي كلمات ناتجة عن حياة روحية قوية جداً، يشهد لها المسيح نفسه، ما أعجب ربنا يسوع المسيح فعلاً، فقد قد ذاته لاجلنا لكي نصير نحن بر الله فيه!

التوبة يا أخواتي هي حالة من الاسترداد تحدث داخل الذهن اولاً، فيها يترك الانسان افكار شجرة معرفة الخير والشر ويقبل اليه افكار شجرة الحياة مرة اخري، في هذا الاسترداد تدخل النفس في شركة الروح القدس، منتقلة بذلك من تثقل العالم وقيوده الي حرية مجد اولاد الله.

اللفظة التي استخدمها الكتاب المقدس في للتعبير عنها كانت هي (μετα-μορφουσθε) تنطق ميطا مؤرفؤسيوس أي تغير من طور الي طور وهي تعني تغير في الذهن (νοῦς) ومن هنا جائت الكلمة المشهور ميطانيا المحرفة عن كلمة ميطانوس اي التغير الذي يحدث داخل الذهن وهي الكلمة الاصيلة التي تصف المعني الحقيقي للتوبة.

ولكي يحدث هذا التغير العميق في الذهن يجب علي الانسان ان يتعمق أفكاره ودوافعه ونياته لان [الروح القدس لا يعمل في السطح ولا في الظاهر، إنه يعمل في الداخل وفي الخفاء جداً][6]، فلكي ندرك هذا الروح الناري يجب ان نتعمق انفسنا حتي نصل اليه ونسمع أناته الي يطلقها لنا!

ومتي دخلت في الشركة مع الروح القدس، تبدء علي الفور بالتغيير تدريجياً وبصورة خفية عميقاً جداً، وخلال هذا التغير يبدء الروح القدس، بأن يعلن للنفس عن الرب يسوع فيدخلنا في شركة مع الابن ايضاً وفي الابن وبالابن تبدء صلواتنا التي اولها صلاة التوبة، التي يصليها فينا الابن يسوع نفسه كشفيع ورئيس كهنة عنا امام الاب، وبالتالي ينقلنا الابن فندخل في شركة الاب ايضاً ومن هنا ننطلق في شركة مع الثالوث القدوس، تدفعنا لكي نتغير ونسترد طبيعتنا المفقودة التي هي في الاصل أيقونة الله!

4- صلاة ليتورجيا كمثال علي صلوات التوبة في المسيح يسوع وبالمسيح يسوع :
أبصالية الاحد الثانية - أيكوتي أنسوك
كلماتها:

طلبتك من عمق قلبي يا ربي يسوع اعنى
حل عني رباطات الخطية يا ربي يسوع المسيح اعنى
كن لى معينا لكي اخلصنى. يا رب صلاحك فليدركنى سريعا يا ربي
ظلل على تحت ظل جناحيك يا ربي
في ستة أيام صنعت جميع الخليقة يا ربي
سبع مرات في اليوم أبارك اسمك يا ربي
ها كل البرية تمجد اسمك يا ربي. لك الربوبية والسلطان يا ربي
اسرع يا إلهى لتخلصني. يا ربي
كل ركبة تجثو امامك يا ربي.
كل لسان معا يبارك اسمك يا ربي. اصرف وجهك عن خطاياى يا ربي
جميع أثامي يا الله امحها يا ربي
انت تعرف أفكاري وتفحص كليتاى يا ربي قلبا طاهرا اخلقه في يا ربي
روحك القدوس لا تنزعه مني يا ربي
أمل سمعك إلى واستجب لى عاجلا يا ربي
قرر لي ناموسا لي طريق عدلك يا ربي ملكوتك يا إلهي ملكوتا أبدية يا ربي
أنت ابن الله أمت بك يا ربي
يا حامل خطية العالم ارحمنى يا ربي
اغفر لي كثرة اثامى يا ربي
كل الأنفس معا تبارك اسمك يا ربي
تانى على ولا تهلكنا سريعا يا ربي
أقوم وقت السحر لأبارك اسمك يا رب. حلو هو نيرك وحملك خفيف يا ربي
في زمن مقبول استجب لي. يا ربي. محبوب هو اسمك القدوس يا ربي
فرق عني كل الابالسة يا ربي. اغرس في ثمرة برك يا ربي
اعطنا سلامتك الحقيقية واغفر لنا خطايانا يا ربي يسوع المسيح اعنى

الهوامش:
1- كلمة ليتورجيا هي كلمة يونانية مكونة من مقطعين لأوس - أرجون وهي تعني العمل الشعبي واستخدمها الاباء الرسل في الكنيسة الاولي لتدل علي خدمة العبادة الجماعية ككسر الخبز اي سر الافخارستيا "التناول".للمزيد راجع هذه المقالة المفهوم الارثوذكسي للعبادة حسب فكر أباء الكنيسة
2- لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. (رومية 8: 29)
3- كتاب نسكيات الانبا انطونيوس - الانبا متاؤس رئيس دير السريان - ص121 - الرسالة الاولي للانبا انطونيوس
4- السينرجيا (synergy) تعني السينرجيا أنّ الواحد الكامل أكبر من أجزائه، أيّ أنّ نتيجة العمل المشترك والتعاون بين عاملين أو أكثر لتحقيق هدف معيّن تكون أقوى وأفضل من مجموع نتائج عمل كلّ عامل يعمل وحده على تحقيق الهدف نفسه
5- الدفاع عن الحروم الاثني عشر ضد ثيودوريت - للقديس كيرلس الكبير
6- كتاب مع الروح القدس في جهادنا اليومي - الاب متي المسكين - ص4

رابط مختصر للمقالة: https://goo.gl/cRkoGB


ما هي الكنيسة كما فهمها الاثنينيون قديماً؟!




لا يمكن ان نتكلم عن مصطلح الإكليسيا دون ان نمر بفترة في العصر الذهبي للحكم في أثينا القديمة، وهي فترة حكم صولون اي في الفترة من (560ق.م الي 460ق.م)، ونتعرف ايضاً علي هذا الشاعر والمشرع والمفكر الذي تجلي في عصره مصطلح إكليسيا في تاريخ الحضارة الاثينية الهلينة، وايضاً علي بعد التعريفات الهامة التي سوف تساعدنا في فهم مصطلح إكليسيا مثل (مجلس الشيوخ – اريوس باجوس)

صولون (Σόλων):

صولون في اليونانية (Σόλων) تنطق "Solon" الشاعر والمشرع اليوناني (انظر الصورة 1-1) الذي عاش بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد (560ق.م الي 460ق.م) ، وهو إلى جانب كونه شاعرا وحكيما من حكماء اليونان السبعة [1]، كان أيضا من السياسيين اللامعين، فقد انتخبه أهالي أثينا حاكما، فقام بإصلاحات تشريعية وإدارية، وسميت هذه التشريعات بإسم تشريعات صولون.

ولم يكون صولون حكيما وشاعرا وحاكما فحسب، ولكنه كان من رواد الديموقراطية في أثينا، وكان له الفضل في إلغاء نظام الرق الذي كان يسمح بإسترقاء الفلاحين إذا عجزوا عن سداد ديونهم، وبذلك كسر شوكة النبلاء وتعامل معهم كما يتعامل مع الفقراء سواء بسواء.

وإلغاء نظام الرق يعد أول إصلاح دستوري في تاريخ اليونان، فقد قام صولون بتحرير الأرقاء وحمى الحرية الشخصية للأجراء والبسطاء وضمهم بالإنتخاب، ولمن تجاوز سن الثلاثين إلى مجلس الأعيان الذي يقوم بتصريف شئون الدولة التي يعرضها مجلس الولاة لدراستها دون أن يكون لهم سلطان عليهم. [2]

وبذلك وضع صولون في أثينا أحد الاسس الديموقراطية التي تتيج للمواطن العادي أن يشارك في السياسة والحكم.[3]


صورة لصولون الشاعر والمشرع اليوناني (1-1)


مجلس الشيوخ (Ἄρειος Πάγος):
مجلس الشيوخ في اليونانية (Ἄρειος Πάγος) ينطق "Areios Pagos" وهو مؤسسة من المؤسسات التي يشترك فيها اليونانيون مع غيرهم من الشعوب الارية ونجده لديهم في كل العصور.

وقد كانت له مكانة كبيرة في زمن الملك. ولكنه ازداد أهمية في عهد الحكم الارستوفراطي وأصبح الدعامة الحقيقة لسلطة النبلاء، فهو الذي يقوم كما يقول أرسطوا في كتابه (دستور أثينا): [بالمحافظة علي القوانين وادارة شؤون الدولة][4]، وهو الذي يتولي أنتخاب الرؤساء الثلاثة (الحاكم، الملك، القائد)، وبقية الموظفين، وقد اطلق عليه في أثينا أسم (Areios Pagos) لتمييزه من المجالس الاخري التي تأسست فيما بعد، ولعل هذا الاسم مشتق من هضبة (Ares) حيث كان يعقد أجتماعاته للنظر في القضايا الجنائية التي تعد من اهم وظائفه (انظر الصورة 1-2).[5]

ان دستور صولون قد ابقي علي رأس الحكومة مجلس الشيوخ، ولكن بعد ان نزع عنه بعض السلطات من جهة وبعد ان جعله مفتوحاً لكل افراد الطبقة الاولي مهما كان نسبهم من جهة ثانية، ثم انه أوجد الي جانب ذلك مجلساً جديداً يسمي مجلس الاربعمائه ينتخب أعضاؤه من القبائل الاربعة في (آتيكة) لكل واحدة منها مائة عضو، ومهمة هذا المجلس هي أن يهيء المشاريع التي يجب عرضها علي مجلس الشيوخ وبذلك كان يستطيع ان يراقب جميع القوانين[6]

ذكر هذا المجلس في الكتاب المقدس حينما بشر القديس بولس الرسول في أثينا فاخذه الفلاسفة الي هذا المجلس لاجل المحاكمة فكلمهم عن الاله المجهول (أع 17: 19-22)


صورة لمجلس الشيوخ (1-2)

مجلس الشعب (ἐκκλησία):
[تتجلي النزعة الديموقراطية لدي صولون في أحيائه مجلس الشعب (الأكليسيا) الذي كان معروفاً في العهد الهوميري والذي يشترك جميع المواطنين في مناقشاته، وقد عهد صولون الي هذا المجلس بمهمة أنتقاء الحكام الذين كانوا ينتخبون في السابق من قبل مجلس الشيوخ، وكان جميع المواظفين مسؤولين تجاه هذا المجلس، الذي يستطيع معاقبة أي موظف والذي يحق له ان يحاسب الحكام والقواد عند انتهاء مدة عملهم وان يحرمهم من ان يصبحوا أعضاء في مجلس الشيوخ.] [6] (صورة للأكليسيا 1-3)

اضافة الي ذلك نسب الي هذا المجلس ايضاً إعلان الحرب، ووضع الاستراتيجية العسكرية، وجعلت مسئولية انتخابه للحكام، جعله ينتخب أنتخاباً غير مباشراً لمجلس الشيوخ[7] فأصبح هذا المجلس هو القوة الحاكمة في هذا الوقت، ليكن الحكم بقوة الشعب وهو المعني الاساسي (للديمقراطية).

وبهذا يكون المعني اللفظي لكلمة (إكليسيا) حسب مفهومها التاريخي، هو مجلس الشعب او المجمع ونترك المجال للقاريء ان اراد التأمل في مواصفات اللفظ التاريخي للكلمة ففي ظني الشخصي ان اللفظ الكثير ليقال!



صورة للأكليسيا فى الحضارة الاثينية القديمة (1-3)

الهوامش:
1- تاريخ اليونان (الجزء الأول) - د. محمد كامل عياد ص228
2- ارسطو (دستور الاثينيين) - ترجمة الاب اوغسطينس برباره ص30
3- المرجع السابق ص28
4- المرجع السابق ص25
5- تاريخ اليونان (الجزء الأول) - د. محمد كامل عياد ص217
6- المرجع السابق ص234
7- Hansen & Fischer-Hansen 1994, p. 51–53

رابط مختصر للمقالة: https://goo.gl/mkd1GX

مخافة الله كأساس ليتورجية العهد القديم




[لقد استلمت الكنيسة تراثاً طويلاً وعميقاً من العهد القديم. وأغلى وأجمل ما في هذا التراث أن الله في العهد القديم خالق مهوب، سيِّد وربٌّ: « إن كنتُ أباً فأين كرامتي، وإن كنتُ سيِّداً فأين هيبتي »(ملاخي 1: 6). الله في العهد القديم سيِّد ورب، له كل الهيبة والكرامة. هذا ميراث استلمناه.

الأب عندما يربِّي ابنه، يُربِّيه على المخافة، فيبدأ الطفل يشعر بمخافة نحو أبيه. وعندما يكبر الطفل، يحبه والده ويعتبره أخاً له. ولكن إن لم تكن المحبة متأصِّلة على المخافة، فإنها لن تعيش. بمعنى آخر، لو أن الابن عاش مُدلَّلاً ولم يتعلَّم المخافة، ثم يحاول أن يُكوِّن علاقة على أساس المحبة، فلابد أن تفشل هذه العلاقة، لأن الابن - في هذه الحالة - سوف يستهزئ بأبيه، وأبوه لن ينال هيبته ولا كرامته، وللأسف هذه الصفة هي السائدة في هذا الجيل.] [1]

هذه الكلمات البديعة التي قالها المتنيح الاب متي المسكين في عظة له عن مخافة الله تعلمنا شىء هام عن جدا عن ألاساس الذي بنيت عليه الليتورجيا في كنيسة العهد القديم.

العبادة هي حالة من العشق، تنبع عن محبة قلبية للعابد اتجاه المعبود، كما فهمنها من كلمات الرب يسوع المعلم الصالح في انجيل معلمنا يوحنا، ولكن إن لم تكن المحبة متأصِّلة على المخافة، فإنها لن تعيش، وبالتالي لن تدوم معها العبادة، وان ظهرت عبادة من قلب محبته غير مبنة علي أساس مخافة الله، فسيتحول هذا القلب بعد فترة الي نوع من العبادة النافلة التي تكلم عنها القديس بولس الرسول [التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة اشباع البشرية] (كو 2: 23)، اي أن عبادتنا ستتحول من أساسها القلبي القائم علي المحبة، الي نوع من العبادة الشكلية التي كان يتخدها الفريسين كمنهج، والتي رفضها الرب يسوع بشده ووبخها، فمن هنا نفهم ان عبادتنا ان لم تكن نابعة عن محبة حقيقية مؤسسة علي مخافة الله، فلن تصل بنا الي ارضاء قلب الله المحب، اذ هو يطلب منا فقط ان نحبه كأساس لعبادتنا كما علمنا: [فقال له يسوع تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. 38 هذه هي الوصية الاولى والعظمى] (مت 22: 37-38).

وعلي هذا الأساس اي مخافة الله قامت كنيسة العهد القديم، وكما ذكر الاب متي المسكين، انها الميراث الذي ورثته كنيسة العهد الجديد عن كنيسة البرية.

ظهر هذا الاساس حينما جاء الله علي جبل سيناء، فقال الله لموسي: [وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق وصوت البوق والجبل يدخّن. ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد. 19 وقالوا لموسى تكلم انت معنا فنسمع. ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت. 20 فقال موسى للشعب لا تخافوا. لان الله انما جاء لكي يمتحنكم ولكي تكون مخافته امام وجوهكم حتى لا تخطئوا.] (خر 20: 18- 20)

ومن علي الجبل وفي وسط مخافة الله خرجت كنيسة العهد القديم لتكن اول كنيسة بليتورجيتها البديعة وطقسها السماوي، ولاول مرة يسكن الله في وسط شعبه ويتكلم معاهم ويتكلمون معه، وفي رحلتنا بحثاً عن تعاملات الله مع شعبه وتطور الليتورجيا والطقس عبر الاجيال وصولاً الي كنيستنا الحالية، سنذهب وراء الشعب في البرية ونستقر معهم في ارض الموعد، سنبني معهم الهيكل ونذهب معهم الي السبي، سنسبح مع دواد النبي بمزاميره الشجيه، ونجري وراء أساف وانغمه البهية، ونسير وراء سليمان الحكيم وحكمته التربوية، في رحلة بديعة جميلة حتي الفداء والصليب وكنيسة الرسل، ونجري وراء اثار الغنم وكنيسة الاباء وكنيسة الشهداء، لنري اثر الليتورجيا في حياة هولاء القديسين نرصد ما يمكن رصده، لكي نصل الي غرضنا الاخير وهو ان نعبد عبادة حية حقيقية بالروح والحق، واصلي أن يكون الروح القدس الذي يصرخ فينا يا آبا الاب، هو مرشدنا في هذه الرحلة، لتكن كل كلمة في هذا البحث هي كلمة حقيقة تدفعنا الي الحياة مع الله وتعرفنا اكثر واكثر عن الثالوث القدوس، الكائن الناطق الحي بروحه الذي له المجد الدائم من الان والي الابد امين.
tt
هوامش:
1- راجع العظة من هذا الرابط هنا

رابط مختصر للمقالة: https://goo.gl/ahvR4K

تطور الليتورجيا في العهد القديم




كما وضحنا انه لابد من وجود ليتورجيا وطقس مرتبطين لتقديم اي عبادة مقبولة لدي الله، سنرصد في هذه الفقرة تطور الليتورجيا منذ ادم الي جبل سينا متتبعين كل حالة تعبدية تمت، ورصيد شكل هذه العبادة وتطورها الليتورجي وتطور طقسها.

تعبير الليتورجيا البدائية هو تعبير نسبةً الي اللاهوت البدائي الذي عرف قبل ظهور كنيسة البرية عند جبل سينا، اي لاهوت معرفة الله الشفاهي الذي سلم عبر الاجيال شفاهياً دون تدوين، ودون فيما بعد بروح النبوة علي يد موسي النبي، وكان يحتوي علي تعبيرات بدائية تظهر ومضات علي طريق معرفة الله ولكنها معرفة غير كاملة او معرفة ناقصة عن الله اذ لم يكن الله قد اظهر ذاته بشكل كامل للانسان لسبب لنتحدث عنه فيما بعد،والمقصود بالتعبير ككل (الليتورجيا البدائية) هي العبادات التي تمت في مرحلة ما قبل الناموس تبعاً لطقس معين دون تحديد او تقيد لليتورجيا المكان او ليتورجيا للكلمة.

وقد ذكرنا اول ذبيحة قدمها الانسان في التاريخ، وهي ذبيحة هابيل وقايين، اذ قد قبل الله فيها ذبيحة هابيل معلناً عن اول ليتورجيا عرفها التاريخ، وهي ليتورجية الذبيحة الدموية، وقدمت هذه الذبيحة بشكل فردي، وكان طقسها هو تقديم تقدمة من الغنم الثمينة (تك 4: 4).

ولم تظهر اي ليتورجيا اخري للذبيحة بعدها حتي الطوفان، اذ قدم البار نوح ثاني ذبيحة عرفها الكتاب المقدس علي الاطلاق وظهر بها تطوراً ليتورجياً، اذ بني مذبحاً وقدم ذبائح من البهائم والطيور معاً ولاول مرة يذكر الكتاب لفظ (طاهرة) مفرقاً بذلك بين نوعياً من الذبائح، لتكن ذبائح طاهرة وذبائح غير طاهرة، وقدمها محرقات اي انه وضع حطبً ووضعها علي الحطب واحرقها للرب، وكان هذا تطوراً ليتورجياً ملحوظ علي مستوي طقس تقديم الذبيحة وعلي مستوي اخر وهو ليتورجية المكان اذ بني مذبحاً! [وبنى نوح مذبحا للرب. واخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة واصعد محرقات على المذبح] (تك 8: 20).

أستمر أستخدام هذا الطقس في اليتورجيا البدائية الي ما بعد نوح وظهر هذا في ذبيحة أبينا أبراهيم حينما قدم ذبيحة علي مذبح للرب في (تك 12: 7) [وظهر الرب لابرام وقال لنسلك اعطي هذه الارض. فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له.]، ولكن طلب الله من أبراهيم ذبيحة تعتبر غريبة نسبياً، احدثت تطوراً رهيب علي مستوي نبوي للذبيحة الحقيقية اي ذبيحة الرب يسوع علي الصليب، اذ طلب الرب من أبراهيم ان ياخذ أسحق ابنه الذي يحبه ويقدمه محرقة له في جبل من جبال ارض المريا [فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق واذهب الى ارض المريّا واصعده هناك محرقة على احد الجبال الذي اقول لك.] (تك 22: 9).

وقد قدم ابراهيم هذه الذبيحة ايضاً علي نفس طقس الليتورجيا البدائية المعروفة من ايام نوح، اذ قد بني مذبحاً واخذ الحطب ووضعه علي المذبح لأحراق الذبيحة ثم اخذ الذبيحة (أبنه) ووضعها علي المذبح، وقد ظهر ايضاً تطوراً في الليتورجيا المكان اذ انه قد أصعد الذبيحة علي جبل (تك 22: 9)، ولم يشاء الله ان يذبح ابراهيم ابنه، بل فدي اسحق بكبش (تك 22: 13) معلناً الله ليتورجية هذا الزمن مرة اخري وبشكل واضح.

كما لا يمكنا ان نعبر عن ابينا ابراهيم دون ذكر لذبيحة ملكي صادق الكاهن العجيبة والبدعية، لتكون ثاني ذبيحة ذات بعد نبوي يقدمها الانسان في التاريخ، اذ قدم هذا خبزاً وخمراً، ولم يذكر الكتاب عنه الا انه كان كاهناً لله العلي، والغربية انه لم يكن قد ظهرت رتبة الكهنوت اصلاً، ولم يعرف شىء عن ليتورجية تقدمة الخبر والخمر، ولم يكن له اصول منذ بدء التاريخ، وكأنه سر مكتوم فضل الوحي الالهي ان لا يتكلم عنه الا في كلمات بسيطة، معلناً ان سر ليتورجية الافخارستيا لم يكن وقته ليعلن بعد، بل كانت ملكي صادق وتقدمته ظلاً ايضاً لحقيقة لم نعرفها الا في كنيسة العهد الجديد. [وملكي صادق ملك شاليم اخرج خبزا وخمرا. وكان كاهنا للّه العلي] (تك 14: 18)

واذ قد تكلمنا عن زمن أبونا ابراهيم خليل الله، فلابد علينا ايضاً ان نتكلم عن أيوب البار، اذ اثبتت الكثير من الدارسات التي اجريت حول سفر ايوب ان هذا السفر هو من اول الاسفار التي كتبت علي مستوي التاريخ والاهم من ذلك ان الدراسات ذكرت ان ايوب الصديق عاش في الفترة ما بين نوح وأبراهيم![1]

اذ قدم نوح ايضاً ذبيحة علي نفس طقس الليتورجيا البدائية فيذكر سفر ايوب: [وكان لما دارت ايام الوليمة ان ايوب ارسل فقدسهم وبكّر في الغد واصعد محرقات على عددهم كلهم. لان ايوب قال ربما اخطأ بنيّ وجدفوا على الله في قلوبهم. هكذا كان ايوب يفعل كل الايام] (آي 1: 5).

وظهر في ذبيحتة بعد ليتورجياً جديداً، اذ قد قدم الذبيحة عن اولاده، ملعناً ايضاً عن تطور ليتورجي بامكانية تقديم الذبيحة عن الاخريين، اي ان الذبيحة لم تعد مقتصرة علي الفرد بل ايضاً قابلة للتقديم عن الجماعة، وبهذا ظهرت اولي ملامح ليتورجية كنيسة البرية، التي اصبحت ليتورجيا بالمعني الحقيقي والكامل.

وظلت الذبائح علي هذا المستوي طقساً وليتورجيتاً وظهر هذا ايضاً في ذبيحة اسحق (تك 26: 25)، وذبيحة يعقوب (تك 33: 20)، وكما في ايام ابراهيم اختار الله مكان ليعقوب ليصعد محرقة به وهو بيت أيل [ثم قال الله ليعقوب قم اصعد الى بيت ايل وأقم هناك واصنع هناك مذبحا لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو اخيك.] (تك 35: 1)، وكما ذكرنا ان طقس الليتورجيا هو شىء يسلم من قبل الله فقد اختار الله هذا المكان وبركه وقدسه كما اختار ايضاً ارض المريا لابراهيم ليكن مكان لأسمه وطلب من يعقوب ان يصعد الذبيحة فيه.

استمرت الليتورجيا البدائية حتي في عصر موسي قبل الوصول الي جبل سيناء فمن الجبل انحضرت كنيسة العهد القديم بطقسها وليتورجيتها البديعة، فاول ذبيحة ذكرت بعد ذبيحة أبنا يعقوب كانت هي ذبيحة موسي النبي بعد ما حارب عماليق وغلب [فبنى موسى مذبحا ودعا اسمه يهوه نسّي] (خر 17: 15)

وعند الجبل أختلفت الموازين، فتسربت ليتورجيا كنيسة البرية شىء فشىء الي ان ظهرت بشكل كامل في صورة خيمة الاجتماع، أهم مظاهر تطور الليتورجيا في هذا الوقت، كانت هي العهد الدموي خلال المذبح!

[فأخذ موسى نصف الدم ووضعه في الطسوس. ونصف الدم رشّه على المذبح 7 واخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب. فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له. 8 واخذ موسى الدم ورشّ على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الاقوال] (خر 24: 6).

ويعتبر هذا الاعلان هو الاعلان النبوي الثالث للذبيحة اذ قد اُعلن فيه انه لا يكون عهد بدون سفك دم، ليكن سفك دم المسيح هو عهد الصلح بين الله والانسان!

ومن هنا بدئت كنيسة البرية تظهر مع ظهور العهد او الناموس والشريعة، وظهر كنيسة العهد القديم بطقوسها وليتورجيتها البديعة التي هي ظل لليتورجيا السماوية، ونزلت من الجبل عروس العهد القديم المزينة بكل جمال ملكها وربها يهوه القدوس.

جبل سيناء والملامح الرئيسية لكنيسة البرية (كنيسة العهد القديم) وليتورجيتها:
[ظلت الكنيسة في فكر الله منذ الازل ولما حان وقت استعلانها للبشر أراها الرب لموسي علي الجبل، بعدما صام موسي أربعين نهاراً واربعين ليلة اظهر له الله خيمة غير مصنوعة بيد، وأوصاه ان يصنع كل شىء بحسب المثال الذي رأته عيناه (خروج 25: 40) ، عبرانيِّين (8: 5)، فتصميم الكنيسة إذاً لم يكن من أنسان بل من الله. فانحدرت الكنيسة من الجبل وهي في فكر موسي، حتي أكمل كل الشعب بناءها علي الارض، بكل إتقان وإلهام وإذعان. فصارت كنيسة الجبل والبرية، أول كنيسة للإنسان، كنيسة شبه السماويات وظلها ومحل سكني الله وسط شعبه، ومحل عبادة الشعب لربه الإله.] [2]

ظلت الليتورجيا البدائية عاملة حتي خرج شعب الله من ارض مصر ووصل الي جبل سيناء، اذ قد كانت هذه الذبائح الأساس المتين الذي مهد لظهور ليتورجية كنيسة البرية، فموسي النبي الذي استلم الناموس وطقس ليتورجية كنيسة البرية، كان لديه خلفية واسعة عن ذبائح الليتورجيا البدائية وطقسها كما وضحنا انه قدم ذبيحته بعد حرب عماليق والانتصار عليهم، علي نفس منهج الليتورجيا البدائية.

وعلي هذا الأساس وفي اخر ضربات الله علي ارض مصر، وضع الله ضربة وهي ضربة موت الابكار، ليعلن في هذه الضربة عن سر أظهر تطوراً عميق في الليتورجيا البدائية، حتي وصلت هذه الليتورجيا الي أقصي تطورها عندما أعلن الله عن سر خروف الفصح، اذ لم يكن ممكناً ان تخرج كنيسة البرية الا من خلال دم خروف الفصح، اذ كان هذا الخروف مثلاً الي المسيح المذبوح كما وضح ذلك القديس بولس الرسول في رسالته الاولي الي اهل كورينثوس: [اذا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينا جديدا كما انتم فطير. لان فصحنا ايضا المسيح قد ذبح لاجلنا] (1كو 5: 7).

ونلاحظ أستخدام الرسول للفظة (فصحنا)، معلاناً بذلك ان خروف الفصح كان مثلاً لذبيحة المسيح علي الصليب، وكما خرجت كنيسة العهد الجديد من ذبيحة الصليب، خرجت ايضاً كنيسة العهد القديم من ذبيحة الفصح.

ولم يشاء الله ان يعلن عن ليتورجية كنيسة العهد القديم بشكل واضح، ما لم يتم اولاً الفصح ويتطهر الشعب بدم خروف الفصح، معلناً الله بذلك انه لا يمكن ان تظهر الكنيسة ما لم يؤسسها هو بنفسه، كما وضحنا ان الله هو الذي كان يختار ليتورجية المكان كما اختار ارض المريا لذبيحة ابينا ابراهيم وبيت ايل لذبيحة ابينا يعقوب، كاشارة الي ان الكنيسة التي هي مسكن الله مع الناس، لا يمكن ان تنبع الا من خلال دم الفداء ولو رمزياً، اذ كان خروف الفصح صورة ومثال للمسيح المذبوح كما وضحنا

وفي هذا يقول المتنيح الانبا يؤنس اسقف الغربية: [لكن الله لم يسكن مع هؤلاء رغم حبه لهم.. لماذا؟ لأنه ما كان ممكناً ان يسكن الله وسط شعبه إلا بعد إتمام الفداء بالدم ولو رمزياً، أي بعد الصلح. كان لزماً أن يُذبح خروف الفصح، ويخرج الشعب بقوة الدم، ويعتقوا من العبودية قبل ان يكون لله بيت مقدس في وسطهم!!][3]

ومن دم خروف الفصح (خر 12: 7)، وبعدها دم العهد الذي رش بيه الشعب قبل الصعود الي جبل سيناء للقاء الله (خر 24: 6)، خرجت كنيسة العهد القديم بلتورجيتها وطقسها وذبائحها واعيادها، لتكن البذرة والاساس المتين الذي سوف تقوم عليها فيما بعد كنيسة العهد الجديد بطقوسها وليتورجياتها واعيادها وكل ما سوف نشمله في هذا البحث.

ومن الأساس ايضاً التي قامت عليها كنيسة العهد القديم، بعد حجر زويتها الذي هو المسيح نفسه مصوراً في صورة خروف الفصح، كانت هي مخافة الله، كأعلان انه لا يمكن ان تقوم عبادة حقيقة وتنشاء ليتورجيا ثابتة لاعلاقة حية مع الله دون ان تمر هذه الليتورجيا بفرن مخافة الله ان جاز التعبير، اذ ان مخافة الله هي الاساس المتين الذي تقوم عليه المحبة الالهية التي تعتبر كما وضحنا الحذر الذي تقوم عليه عبادتنا بشكل اساسي.

هوامش:
1- مقدمة تفسير سفر ايوب للقمص تادرس يعقوب ملطي.
2- الكنيسة مبناها ومعناها – القس أثناسيوس المقاري ص18
3- العبادة في كنيستنا دلالتها وروحانيتها – المنتيح الانبا يؤنس اسقف الغربية ص12

لفهم جيد للمقالة رجاء قراءة المقالة السابقة لها من هنا
رابط مختصر للمقالة: https://goo.gl/JdQiKi

المفهوم الارثوذكسي للعبادة حسب فكر أباء الكنيسة




1- تعريف العبادة حسب تعليم الكتاب المقدس وفكر الاباء:
اعبدوا الرب بفرح. ادخلوا الى حضرته بترنم‎. (مز 100: 2)

["اعبدوا الرب بفرحٍ". كل عبودية مملوءة مرارة. كل من يرتبط بنصيب من العبودية هم عبيد ساخطون. لا تخافوا من عبودية هذا الرب، فإنه لا يوجد تنهد هناك، ولا سخط ولا نقمة. لا يوجد من يطلب أن يُباع لسيد آخر، إذ هي خدمة عذبة، لأننا جميعًا مخلَّصون.

إنها أيها الإخوة سعادة عظيمة أن تكون عبدًا في هذا البيت العظيم، وأن كنت في قيود. لا تخافوا أيها العبيد المقيدون، اعترفوا للرب، انسبوا هذه القيود لاستحقاقكم، اعترفوا في سلاسلكم، إن أردتم أن تحولوها إلى حلي... فأنت عبد وحر، عبد، لأنك خُلقت هكذا. وحر، لأنك محبوب من الله الذي خلقك. نعم أنت حر، لأنك تحب الذي صنعك. لا تخدم بقنوطٍ، فإن تذمرك لا يحررك من الخدمة، بل يجعلك عبدًا شريرًا. أنت عبد للرب، أنت حر في الرب. لا تطلب أن تُعتق فتترك بين من يحررك][1] كان هذا ما قاله القديس العظيم انبا انطونيوس عن العبادة بكونه عابد حقيقي، قدم لنا مفهومً رائع عن العبادة في المسيحية.

العبادة حسب المفهوم اللفظي الكتابي تظهر وتتجلي في انجيل مار معلمنا يوحنا، في مقابلة السامرية مع الرب يسوع، حين سألت هي عن السجود؛ هل هو في اورشليم ام في جبل جرزيم؟!

وفي الواقع ان الفعل اليوناني لكلمة ساجدون (προσκυνητής) وتنطق "pros-koo-neh'-o " والتي جئت في (يو 4: 23) لها معني رائع قد يدلنا علي المفهوم الحقيقي للعبادة، فالكلمة تعني العابد اوالعاشق![2]

وفي هذا يقول القديس جيروم [ العابدون الحقيقيون يعبدون الآب، لا في أورشليم، ولا علي جبل جرزيم][3] نلاحظ ان القديس جيروم استخدم فعل العبادة ولم يستخدم فعل السجود كما جاء في اللغة العربية ترجمة فانديك.

وهنا نفهم ان العبادة حسب انجيل يوحنا هي حالة حب قلبي"وليست حالة من عبودية القيود كما وضح انبا انطونيوس"، يتجه فيها العابد اتجاه المعبود في حالة من العشق، مقدماً فيها قلبه كذبيحة خلال عمل الروح القدس في داخله، لذلك التزمت هذه العبادة بان تقدم "بالروح والحق" حسب (يو 4: 23).

ولكن الكتاب المقدس لم يكتفي بهذا التعبير عن العبادة، لكنه اخذ في عاتقه توضيح المعني الجوهري للعبادة علي أنها - أداء خدمة – وعلي هذا نجد في (رو 12: 11) [غير متكاسلين في الاجتهاد. حارّين في الروح. عابدين الرب]، ان الفعل "عابدين" يأتي في اليونانية (δουλευοντες) تنطق " doul-yoo'-on-tes" من الفعل اليوناني (δουλεύω) ينطق " doul-yoo'-o" لنجد انه يعني أداء خدمة[4]

وان ربطنا بين العبادة بكونها حالة من العشق "حسب مفهوم انجيل يوحنا" وايضاً أداء خدمة "حسب مفهوم رسالة رومية" نجد أنفسنا امام المعني الصريح للعبادة المسيحية.

العبادة المسيحية هي تقديم خدمة أتجاه الله بدافع الحب الالهي او العشق، مستخدمين الجسد كوسيلة لأداء الخدمة او للتعبير عن الحب كمثل (السجود)، ليكون كذبيحة حية مرضيه لهذه العبادة (رو 12: 1).

2- الليتورجيا هي العبادة المسيحية:
بعد ان تعرفنا علي العبادة بكونها لا تمَت بصلة الي المعني العربي لكلمة (عبادة)، وفهمنا المعني الاصيل للعبادة حسب فكر الكتاب المقدس في انجيل يوحنا كحالة من العشق، ورسالة رومية كأداء خدمة، فلا يمكن ان يخرج مفهوم العبادة في الحياة المسيحية عن كونها ليتورجيا!

الفعل اليوناني (λειτουργειν) تنطق " la-tro-gon" هذا الفعل الذي استخدم في العهد القديم في الترجمة السبعينية كما جاء في (عد 8: 22) [وبعد ذلك اتى اللاويون ليخدموا خدمتهم في خيمة الاجتماع امام هرون وامام بنيه. كما امر الرب موسى عن اللاويين هكذا فعلوا لهم] وترجم في العربية "خدمة" ولكن هذا المصطلح هو من مقطعين (λέως ) تنطق "La- oc" أي شعب و (εργον ) تنطق "Ar-gon" أي عمل ليكون المعني الصريح لكلمة ليتورجيا هو العمل الشعبي ويقابله في العبرية (יִגאָל) وينطق ""Yig-awl بمعني اداء خدمة دينية![5]

أما في البيئة اليونانية فقد كان المصطلح يكتسب أهمية دينية، وكان يعنى عبادة عامة علنية أو خدمة الآلهة[6] أيضًا في العهد الجديد أُستخدم المصطلح ليعنى تتميم طقس مقدس أو اتمام خدمة لانتشار كلمة الله كما جاء في (اع 13: 2) [‎وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما اليه‎]، والتي اصبح يعبر عن مفهوم العبادة المسيحية عبر الاجيال.

من هنا نفهم ان الليتورجيا هي الخدمة التي يقدمها الشعب لله، اذ يقدم فيها جسده كذبيحة حيه مرضيه، معبراً بذلك عن حبه او عشقه في صورة سجود او خضوع لله، لتكن الليتورجيا هي أسمي صور العبادة المسيحية.

3- الليتورجيا والطقس:
في تعريفنا لليتورجيا ذكرنا ان العابد او بتعبير اخر العاشق يعبر عن عشقه عن طريق اداء خدمة لها مظهر خارجي مثل السجود، وكانت هذه الصور او التعبيرات الخارجية فردية او جماعية تتم حسب أتفاق بين الجماعة لأداء العبادة بشكل لائق.

ونجد ان كل عبادات الكتاب المقدس، تمت حسب ترتيب له جزور في النصوص المقدسة، فمعظم صلوات الانبياء في العهد القديم وايضاً قديسوا العهد الجديد مستمدة من سفر المزامير، فأعتبر سفر المزامير كمرجعية لأداء الصلاة الحقة، وكذلك في تقديم الذبائح، نجد ان هناك أنبياء مثل نوح او أيوب قدموا ذبائح وبنو مذبح ولم يكن هناك نص مقدس ليعرفهم كيف يقدموا الذبيحة بهذا الشكل، ولكن من الواضح انهم استلموا هذا الترتيب خلال التسليم الشفاهي عبر الاجيال من ادم حتي وصل اليهم، واعتبر هذا التسليم الشفاهي كتطبيقات وصور بدائية لحقائق سماوية لم تكن قد أعلنت بعد، اذ كانوا هؤلاء يمهدون لأظهار السر او الاعلان الحقيقي عن الترتيب السماوي لليتورجيا.

وفي هذا تكلم القديس بطرس الرسول قائلاً: [الذين أعلن لهم انهم ليس لانفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الامور التي أخبرتم بها انتم الآن بواسطة الذين بشروكم في الروح القدس المرسل من السماء التي تشتهي الملائكة ان تطّلع عليها] (1بط 1: 12)

فقد كان الجميع يطلب طقساً منذ البدء للوصل الي الله واداء الذبيحة علي أكمل وجه لتكن مقبولة لدي الله، اذ كانت كل ذبائح العهد القديم هي اشارة او ظل الي الذبيحة الحقيقية الوحيدة اي ذبيحة الابن الوحيد الرب يسوع علي الصليب! (عب 10: 1)، ومن الواضح ان هذا التسليم الشفاهي وصل نتيجة لما حدث في القصة الشهيرة لاول ذبيحة قدمت علي مستوي التاريخ، وهي ذبيحة هابيل مقابل ذبيحة قابيين (تك 4)، فقد قبل الله ذبيحة هابيل (الذبيحة الدموية)، ورفض ذبيحة قايين (ذبيحة ثمار الارض)، وضعاً بهذا اول طقس لتقديم الذبيحة واداء الليتورجيا علي مستوي التاريخ.

جاء في الكتاب المقدس في (1كو 14: 40) [وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب]، منادياً الرسول بولس بهذا ان نفعل كل شىء بترتيب، وجائت الكلمة في الاصل اليوناني (τάξις) تنطق " tax'-is" وهي تعني ترتيب ثابت لشىء معين مع مرعاة تحديد الوقت.[7]

وحسب هذا المعني نفهم ان اي لتيورجيا كانت لابد لها من طقس تتبعه حسب تعليم الكتاب، وبدون طقس تعتبر هذه الليتورجيا غير مقبولة لدي الله! [و نطلب اليكم ايها الاخوة انذروا الذين بلا ترتيب. شجعوا صغار النفوس. اسندوا الضعفاء. تأنوا على الجميع.] (1تس 5: 14)

علي ان يكون هذا الطقس مرتب من قبل الله كما وضحنا في قصة ذبيحة هابيل وقايين، اذ قد وضح الله بقبوله لذبيحة هابيل انه يقبل الذبيحة الدموية ويرفض ذبيحة الثمار كشكل بدائي او ظل لليتورجية كنيسة البرية.

واذا ربطنا الليتورجيا مع الطقس يتضح لنا اكثر فأكثر المعني الحقيقي للعبادة المسيحية بكونها ليست مجرد خدمة يقدمها العاشق لله مقدماً فيها جسده كذبيحة، بل ايضاً خدمة تتم حسب ترتيب ثابت وفي اوقات محددة يتم تحديدها من قبل الله نفسه، خلال ما اعلنه بالروح القدس لانبياءه ورسله القديسين.

الهوامش:
1- On Ps.100 (99).، تفسير المزمور 100 للقمص تادرس يعقوب ملطي.
2- ترجمة بين السطور للاب بولس فغالي ص449، Greek – English Lexicon of the new testament pa 548
3- Letter 58:3.، تفسير المزمور 100 للقمص تادرس يعقوب ملطي.
4- Greek – English Lexicon of the new testament pa 157
5- Greek – English Lexicon of the new testament pa 375
6- أرسطوAr…stot. Politik£ VII, 9.
7- Greek – English Lexicon of the new testament pa 614

رابط مختصر للمقالة: https://goo.gl/xP07z5